مواضيع قد تهمك

كبرياء مسنة

قصة من الريف

في قرية ريفية وادعة، حيث تتكئ البيوت على بعضها كأنها تخشى الوحدة، وتفوح رائحة الطين المبلل بالمطر في الأزقة الضيقة، كان منزل الحاجة فاطمة يقف شامخًا بوقار رغم تقادم السنين. لم يكن مجرد جدران وسقف، بل كان صندوقًا ضخمًا من الذكريات.

كانت فاطمة امرأة وفد نحت الزمن تضاريسه على وجهها، فصارت التجاعيد حول عينيها خرائط لسنوات الصبر والكد. يداها الخشنتان تشهدان على عقود من العجن والخبز وتربية الرجال. منذ رحيل زوجها، لم يبق لها في الدنيا سوى سالم، ابنها الوحيد الذي كان لها بمثابة العكاز الذي تتكئ عليه روحها قبل جسدها.

عاشت سنوات الوحدة تجمع القرش فوق القرش، تحرم نفسها من ملذات الدنيا لتدخر أمانة سرية من ذهب ومال قديم، دفنته في أعمق نقطة من وعيها وصندوقها. لم يطلع على هذا السر أحد، حتى سالم نفسه.

  يوم الزفاف

دارت الأيام وحل اليوم الذي تحلم به كل أم: يوم زفاف وحيدها. ضج الدار بالزغاريد، واشتعلت المصابيح في كل ركن، واختلطت روائح البخور برائحة الولائم. كانت فاطمة تتحرك وسط الجموع كأنها تطير، لا تشعر بتعب ساقيها.

جاءت سميرة، العروس التي اختارها قلب ابنها. كانت ذات جمال لا يخطئه البصر: قامة ممشوقة، ووجه صبوح، وعيون واسعة. لكن خلف ذلك البريق كان يختبئ شيء آخر... بردٌ في نظراتها حين لا يراها أحد، وتملص من العناق كأنها تلمس شيئًا غريبًا عنها.

  سقوط الأقنعة

في الأسابيع الأولى كان البيت يبدو كجنة صغيرة، لكن سرعان ما بدأت الأقنعة تتساقط.

بدأت سميرة تفرض سيطرتها على مملكة البيت، ليس بصوت عالٍ أو شجار، بل بأسلوبٍ ناعم وخبيث كأفعى تغير جلدها. النظرات كانت السلاح الأول: نظرة استعلاء حين تمر بجوار حماتها، ونظرة قرف حين تلمح ثياب العجوز البسيطة.

كان سالم يخرج مع تباشير الصباح يركض خلف رزقه، ويعود مع مغيب الشمس منهكًا. وفي غيابه كانت المملكة تنقلب رأسًا على عقب. تحولت فاطمة من سيدة الدار إلى ضيفة ثقيلة غير مرغوب فيها. سحبت منها صلاحيات المطبخ بحجة الراحة، ثم منعتها عن الجلوس في غرفة المعيشة بحجة الترتيب والنظافة، حتى انحصرت حياتها في غرفتها الصغيرة المنزويتة.

  لقم العيش

لم يقف الأمر عند العزلة، بل وصل إلى لقم العيش. كانت سميرة تتفنن في إعداد ما لذ وطاب من الطعام، تفوح روائح الشواء والمرق لتملأ أنفاس البيت. أما نصيب فاطمة فكان يأتي متأخرًا باردًا، وفي صحن قديم مشروخ: بقايا الأمس أو أطراف الخبز اليابس تُرمى أمامها كأنها صدقة لمسكين، لا واجبًا لأم.

كانت فاطمة تنظر إلى الطعام البائس وتغور عيناها بالدموع... لا جوعًا للطعام، بل جوعًا للرحمة.

حاولت في البداية أن تلمح لابنها بنظرات مكسورة، لكن سميرة كانت أسبق دائمًا. كانت تتقن فن التمثيل، تستقبل زوجها بابتسامة عريضة وبيت يلمع نظافة، وتملأ أذنيه بحديث معسول عن رعايتها لـ"أمه"، وعن "خرف" العجوز الذي بدأ يظهر، وكيف أنها صارت تنسى أنها أكلت وتطلب الطعام مرات ومرات.

صدق سالم... أو ربما أراد أن يصدق ليريح ضميره.

  بلغ القهر منتهاه


في أحد الأيام الشتوية القارسة، اشتهت نفس فاطمة حساءً ساخنًا يدفئ جسدها المتهالك. شمت رائحة العدس تفوح من المطبخ. انتظرت طويلًا تراقب الباب بعينين ذابلتين.

وحين فُتح الباب أخيرًا، لم يكن سالم، بل كانت سميرة. في يدها وعاء صغير فيه ماء  وكسرات خبز جاف، وضعت الوعاء على الأرض بقرف دون أن تنطق بكلمة. ثم توقفت عند الباب ورمقت العجوز بنظرة شيطانية، وأغلقت الباب بقوة جعلت قلب فاطمة ينفض.

نظرت فاطمة إلى الوعاء، ثم إلى يديها المرتجفتين. لم تأكل في تلك اللحظة. مات شيء بداخلها، وولد شيء آخر.

  الجرة

مسحت دموعها بطرف شالها القديم، ونظرت حولها في الغرفة. وقعت عيناها على جرة فخارية قديمة مركونة في الزاوية. جرة ورثتها عن أمها، كانت تستخدمها لحفظ السمن أو العسل في أيام الخير.

لمعت في رأسها فكرة... قامت مستندة على الجدار، وفتحت نافذة غرفتها المطلة على الحديقة الخلفية المهجورة. كان ضوء القمر يكشف عن التربة المبللة. مدت يدها وأخذت حفنة من التراب الناعم، عادت إلى الجرة وألقت فيها التراب.

(هذا زادي... وهذا ذخيرتي)، همست لنفسها بصوت لا يسمعه إلا الله.

الطقس الغريب

في صباح اليوم التالي، تعمدت فاطمة أن تترك باب غرفتها مواربًا. جلست أمام الجرة وبدأت تمثل طقسًا غريبًا. كانت سميرة تمر في الرواق فلمحت حماتها تفعل شيئًا مريبًا. توقفت واختبأت خلف الباب تراقب.

رأت العجوز تفتح الجرة وتدخل ملعقة خشبية فيها، ثم تخرجها وهي تتظاهر بأنها تحمل شيئًا ثمينًا ترفعه إلى فمها وتمضغه ببطء وتلذذ، ثم تمسح على بطنها كأنها شبعت من وليمة ملوك. ثم أغلقت الجرة بإحكام ومسحت عليها بحنان، وتمتمت بكلمات التقطت منها سميرة جملة:

"الحمد لله الذي أغناني بفضله عن لئام خلقه... هذا خير مما في قدورهم."

تسمرت سميرة في مكانها. ماذا تأكل هذه العجوز؟ ومن أين لها هذا الطعام؟

تسلل الفضول والشك إلى قلب الكنه الشريرة، وتحولت الجرة الفخارية إلى لغز يحير سميرة، وإلى سلاح صامت في يد فاطمة.

  تصاعد القسوة

ازدادت سميرة قسوة، وقررت أن تراقب العجوز أكثر، لا لترعاها بل لتكشف سر الجرة. كلما رأت فاطمة  تأكل  من جرتها، كانت سميرة تضحك في سرها وتهمس: (لقد جنت العجوز، صارت تأكل التراب ).

لم تكن فاطمة تأكل التراب حقًا، بل كانت تصنع مشهدًا مسرحيًا يوميًا لتغيظ بها من أذاقتها مرارة الذل، ولتحمي ما تبقى من كرامتها.

لكن ما لم تكن تعلمه فاطمة هو أن هذه الحيلة البسيطة ستكون بداية لسلسلة من الأحداث التي ستكشف معادن البشر وتقلب موازين البيت رأسًا على عقب.

  الشائعة

لم تكتفي سميرة بمراقبة (جنون) حماتها، بل حملت القصة وخرجت بها إلى أزقة القرية ومجالس النساء. كانت تروي الحكاية بأسلوب المظلومة الصابرة، تدعي الحزن والشفقة وتخفض صوتها كأنها تفشي سرًا عائليًا مؤلمًا، بينما عيناها تلمعان بخبث.

صورت للناس أن العجوز قد فقدت عقلها تمامًا، وأنها تأكل التراب وترفض طعام البيت الطيب الذي تقدمه لها .

انتشرت الشائعة كالنار في الهشيم. تحولت فاطمة في نظر أهل الحي من السيدة الوقورة التي كانت مرجعًا للحكمة إلى (آكلة التراب) التي ذهب عقلها.

زادت عزلة العجوز، وأصبح الصمت رفيقها الوحيد.

  خيبة الابن

أما سالم، الابن الذي كان يومًا قرة عين أمه، فقد صار غريبًا عنها تمامًا. كان يعود في المساء وقد شحذت سميره قصص النهار عن تصرفات أمه (المقززة). يدخل عليها الغرفة لا ليعانقها أو يقبل يدها، بل ليقف عند الباب ناظرًا إليها نظرة ممزوجة بالقرف واليأس.

كان يرى آثار التراب التي تتعمد فاطمة تركها أحيانًا على زاوية فمها أو ثوبها، فيشيح بوجهه عنها. لم يكلف نفسه عناء الجلوس وسؤالها عن الحقيقة.

كان يصدق ما ترويه سميرة، لأن أمه قد (انتهت)، وما بقي منها مجرد جسد خرف يمارس عادات قذرة.

  الذهب في جوف التراب

لم يكن التراب في الجرة مجرد غطاء للتمويه، بل كان خزنة لأمانتها الحقيقية. كانت تخرج من طيات ملابسها القديمة ومن حشوة فراشها المتهالك قطعًا ذهبية ورثتها عن أمها وجدتها، وليرات فضية ادخرتها من تعب السنين.

تغرسها عميقًا في قلب الجرة، تدفن الذهب وسط التراب، تخلط المال بالثرى كأنها تقول للدنيا: هذا الذهب لمن يستحقه... أو ليعود للأرض التي خرج منها.

وكانت تبتسم بمرارة وهي تفكر في المفارقة: سميرة تتقزز من الجرة وتحتقرها، بينما الجرة تحتوي في باطنها ما لو عرفته لقبلت يدي حماتها ورجليها.

كان هذا هو انتقام فاطمة الصامت: انتقام المظلوم الذي يفوض أمره لله ويترك للزمن كشف الحقائق.

  بلوغ القسوة الذروة

مرت الفصول، وشحب وجه فاطمه وهزلت بنيتها. لم يكن الجوع وحده هو السبب، بل كان أكل النفس أشد وطأة. كانت سميرة تمنع عنها حتى كسرات الخبز اليابس أحيانًا، بحجة أن من يأكل التراب لا يحتاج للخبز.

وفي يوم من أيام الصيف القائظ، حيث الحرارة تجعل النفوس تضيق، قررت سميرة أن تبلغ قسوتها ذروتها. كان لديهم ضيوف من أقارب سميرة ، وأرادت أن تجعل من حماتها فرجة للضيوف لتثبت صحة كلامها عن جنون العجوز.

فتحت باب الغرفة على مصراعيه ودعت قريباتها للنظر من بعيد. كانت فاطمة جالسة كعادتها منهمكة في  طقسها المقدس  مع الجرة. تعالت همسات النساء، بعضهم استعاذ بالله من المنظر، وبعضهم ضحك بسخرية.

شعرت فاطمة بنظراتهن تلسع جلدها كالسياط، لكنها لم تتوقف. كان كبرياؤها يمنعها من الانهيار أمامهن. ابتلعت ريقها المر وأغلقت الجرة بهدوء، ثم استدارت وأعطتهن ظهرها لتواجه الجدار الصامت.

  الليلة الأخيرة

في تلك الليلة، اشتدت الحمى على فاطمة ، وجف حلقها حتى صار كأرض صحراوية. حاولت أن تنادي، لكن صوتها خرج حشرجة خافتة. جمعت ما تبقى فيها من قوة ومدت يدها المرتعشة تطرق على الجدار الخشبي بجوار سريرها.

في الغرفة المجاورة، سمعت سميرة الطرقات فتثاءبت بضيق، لكنها تجاهلت الصوت كأنه طنين ذبابة مزعجة. زادت فاطمة من طرقاتها حتى اضطرت سميرة للنهوض، لا شفقة بل غضبًا من هذا الإزعاج.

فتحت باب غرفة حماتها بعنف، وقفت عند العتبة عاقدة ذراعيها، عيناها تقدحان شررًا. أشارت فاطمة بيدها المرتجفة نحو إبريق الماء الفارغ بجانبها، وحركت شفتيها المتشققيتن بكلمة واحدة: (ماء)

نظرت سميرة إلى الإبريق ثم إلى العجوز، وابتسمت تلك الابتسامة الصفراء. اقتربت ببطء شديد وانحنت فوق وجه حماتها حتى كادت تلامسه، وهمست بصوت يشبه فحيح الأفعى:

(أتريدين الماء؟ الماء للأحياء الذين ينفعون؟ أما أنت فلديك جرتك المليئة بالخيرات. كلي من ترابك الذي جمعتيه طوال السنين... لعل التراب يروي ظمأك ويشبع جوفك)

ثم استقامت ببرود، ثم توجهت للباب وأغلقته  خلفها بقوة.

سقطت يد فاطمة بجانبها، وسقطت معها آخر قطرة أمل في قلبها . أغمضت عينيها واستسلمت لقدرها، مدركة أن الله أراد أن يقيها شربة ماء من يد ملوثة بالجحود، ليسقيها من حوض رحمته ما هو أطهر وأنقى.

سكنت حركتها، وهدأ صدرها، وفاضت روحها إلى بارئها في سكون الليل... وحيدة إلا من جرتها وسبحتها.

  الصباح

في الصباح، حين تأخرت فاطمة في طقسها اليومي  المزعوم، دخل سالم  ليوقظها فوجدها جثةً هامدة باردة كسقيع الشتاء. صرخ صرخة مكتومة وسقط عند قدميه يبكي بكاء اختلط فيه الحزن بالندم المتأخر.

أما سميرة فوقفت خلفه تراقب المشهد، لم تذرف دمعة واحدة حقيقية. تصنعت الشهقة ووضعت يدها على فمها وبدأت تمثل دور المفجوعة، بينما عقلها يحسب تكاليف العزاء ويفكر في كيفية التخلص من أثاث الغرفة القديم لتوسيع البيت.

مرت أيام العزاء الثلاثة. امتلأ البيت بالمعزين، وكانت سميرة تتنقل بينهم تتلقى التعازي بوجه حزين مصطنع، وتسمع همساتهن عن (الكنة الصابرة التي تحملت حماتها المجنونة حتى آخر لحظة).

كسر الجرة

انفض الجمع في اليوم الثالث. وبمجرد أن أُغلق آخر باب خلف آخر معزية، نفضت سميرة عنها غبار الحزن المصطنع وتوجهت مباشرة نحو غرفة حماتها.

بدأت بجمع الملابس القديمة في سرّة كبيرة لترميها، ثم وقعت عيناها على الهدف الأكبر: تلك الجرة الفخارية القابعة في الزاوية.

(أخيرًا... سأتخلص من هذا القرف ومن جنونك يا عجوز الشؤم).

انحنت لتحمل الجرة متوقعة أن تكون خفيفة كوزن التراب الجاف، لكن المفاجأة أذهلتها: كانت الجرة ثقيلة جدًا، بشكل غير منطقي. حاولت رفعها مرة أخرى فاحمر وجهها وتوترت عروق رقبتها.

(ما هذا الثقل؟ هل كانت تملؤها بالحجارة أيضًا؟)

لم تكلف نفسها عناء فتح الغطاء، فالاشمئزاز كان يملأ قلبها ويمنعها من لمس (طعام المجنونة). جرّت الجرة جرًّا على البلاط حتى وصلت إلى فناء الدار الفسيح.

وقفت تلتقط أنفاسها وتنظر إلى الجرة نظرة احتقار وكراهية، ثم قررت ألا تكتفي برميها، بل ستحطم هذا الرمز الذي طالما أثار غيظها.

جمعت كل قوتها ورفعت الجرة بكلتي يديها إلى أعلى ما تستطيع، ثم صرخت: (اذهبي إلى الجحيم أنت وترابك!) وهوت بالجرة بقوة هائلة نحو الأرض الصخرية.

كنز تحت التراب

ارتطمت الجرة بالأرض ارتطامًا مدويًا، وتطايرت الشظايا الفخارية في كل اتجاه، وتصاعد غبار كثيف ملأ الهواء.

ولما هدأ الغبار وتسلل شعاع الشمس ليضرب كومة التراب المتناثرة، لم يكن هناك مجرد تراب بني كما توقعت. كان هناك بريق... بريق أصفر خاطف، وبريق فضي لامع يتلألأ وسط الحطام.

اتسعت عينا سميرة بذهول. لم تكن الكومة كومة طين وقذارة، بل كانت كومة من الذهب الخالص والعملات الفضية القديمة والمجوهرات التي تفوح منها رائحة الزمن.

تسمر سالم في مكانه، ووقف قلبه عن النبض للحظة من هول المفاجأة. تحول الفناء الصامت إلى مسرح يعرض مشهدًا سرياليًا: بقايا فخار مكسور، تراب ناعم، ووسطه ثروة تكفي لشراء الحي بأكمله.

  الرسالة

وبينما كانت سميرة تحاول استيعاب الصدمة وتمد يدها بلهفة نحو الذهب، لمح سالم ورقة بيضاء مطوية سقطت ببطء واستقرت فوق كومة الذهب كأنها راية بيضاء.

تقدم بخطوات ثقيلة كأنه يسير في جنازة، وانحنى ليلتقط الورقة. فتحها ففاحت منها رائحة المسك التي كانت أمه تحبها. كانت الخطوط مرتعشة وحروفها باهتة بفعل الدموع التي سقطت عليها أثناء الكتابة، لكنها كانت واضحة وقاطعة كحد السيف.

قرأ سالم كلمات أمه الأخيرة:

يا بني

/ هذا ذهبي ومالي الذي أفنيت عمري وشبابي في جمعه، قرشًا فوق قرش، وحرمت نفسي من ملذات الدنيا لأتركه لك ولأولادك، ليكون سندًا لكم في نوائب الدهر. دفنته في التراب لأحميه من طمع الغرباء، لكنني لم أكن أعلم أنني سأحتاج لحمايته من قسوة الأقرباء.

كنت أنوي أن أقدمه لكم هدية يوم فرحي بحفيد لم يأتِ، أو يوم ضيق يشتد عليكم... لكنكم أطعمتموني القهر بدل الخبز، وسقيتموني الدمع بدل الماء. ظننت أنكم ستصبرون على شيبتي كما صبرت على طفولتكم، لكنكم استكثرتم علي لقمة العيش، وسخرتم من جوعي، وتركتموني أموت عطشًا والماء بجواري.

بما أنكم رأيتموني لا أستحق إلا التراب، وبما أن زوجتك كسرت الجرة لتطرد أثري، فقد كشفتم الستر وحرمتم أنفسكم من البركة. هذا المال ليس لكم. هو مال يشهد عليكم يوم القيامة. هو لمن يرحم الضعيف ويطعم الجائع. أما أنتم فلكم التراب الذي سخرتم منه، والندم الذي سيلازمكم ما حيتم./

سقطت الورقة من يد سالم، وسقط معها قلبه في بئر سحيق من الألم. انهار على الأرض بجوار الذهب، لا ليجمعه بل ليضرب الأرض بقبضته ويصرخ صرخة مكتومة مزقت سكون المساء.

بكى بحرقة لم يبكها يوم وفاة أمه. أدرك الآن أنه لم يفقد أمه فقط، بل فقد نفسه وإنسانيته ورضا ربه. أدرك أن أكل التراب لم يكن جنونًا، بل كان رسالة مسرحية مؤلمة أدتها أمه لتقول له: أنا أكتفي بالقليل لأحفظ  كرامتي... لكنكم لا ترون.

  القرار

التقطت سميرة الورقة بفضول ممزوج بالخوف، وقرأت. ومع كل كلمة كانت الأساور تسقط من يدها واحدة تلو الأخرى لتعود إلى التراب الذي خرجت منه. تحول وجهها من التورد بالطمع إلى الاصفرار بالخوف.

وقف سالم ببطء ومسح دموعه بكم جلبابه. نظر إلى سميرة التي كانت لا تزال جاثية وسط الذهب، وقال بصوت خافت لكنه حازم:

(لا تلمسي قرشًا واحدًا. هذا ليس مالنا. هذا مال الأيتام والفقراء.)

حاولت سميرة الاعتراض، حاولت أن تقول إن الحي أبقى من الميت، وإنهم أحق بهذا المال ليوسعوا دارهم وحياتهم... لكن نظرة واحدة من سالم كانت كافية لإخراسها.

بدأ سالم يجمع الذهب والمال في ثوبه قطعة قطعة بحرص شديد كأنه يجمع جمرات من نار. لم يترك في الفناء سوى قطع الفخار المكسور والتراب المتناثر.

حمل سالم الأمانة وخرج من الدار في تلك الليلة، تاركًا سميرة وحيدة وسط الفناء المظلم تتحسر على الكنز الذي كان بين يديها وضاع بسبب كوب ماء بخلت به، وبسبب كبرياء زائف منعها من الرحمة.

ذهب سالم إلى إمام المسجد، ووضع المال كله عنده، طالبًا منه أن يوزعه صدقة جارية عن روح والدته، وأن يبنى به سبيل ماء لعابر السبيل، لعل الله يغفر له ذنب عطش أمه الذي لم يرووه.

بقية العمر

عاشت سميرة بقية عمرها في ذلك البيت، لكنه لم يعد كما كان. صار واسعًا وموحشًا. ظلت قصة الجرة تلاحقها في كل مكان. كلما رأت جرة فخارية أو لمست ترابًا أو رأت لمعان الذهب في يد امرأة أخرى، شعرت بغصة في حلقها وبنار تحرق جوفها.

لم تنجب سميرة، وعاشت ترى نظرات أهل القرية التي تحولت من السخرية من الحاجة فاطمة إلى الاحتقار للكنة التي باعت الذهب بالتراب.

أما سالم، فعاش حياته زاهدًا يخدم المساكين، ويجلس ساعات طويلة عند قبر أمه يسقي تراب قبرها بالماء والدموع، يرجو سماحًا قد يأتيه في الآخرة، لكنه عز عليه في الدنيا.

ظلت كسرات الفخار في زاوية الفناء زمانًا طويلاً، لم يجرؤ أحد على رفعها. بقيت هناك تذكرة لكل من يمر، بأن المعروف لا يضيع، وأن الأرض تخفي في باطنها أسرارًا لا يكشفها إلا الله، وأن قلوب الأمهات هي الكنوز الحقيقية التي إذا كسرها الولد لا يجبرها ذهب الأرض ولا فضتها.

   العبرة

وهكذا انتهت حكاية الجرة الفخارية، لكن العبرة منها ستظل باقية ما بقي التراب والذهب.

تعلمنا أن ما نخبئه في قلوبنا من خير أو شر سيظهر يومًا ما للعلن، وأن عقوق الوالدين دين يُرد في الدنيا قبل الآخرة، وأن الله يمهل ولا يهمل.

كم من جرة في حياتنا نراها رخيصة وهي تحمل بداخلها النجاة  وكم من سميرة تظن أنها بذكائها ستكسب الدنيا فتخسر الدنيا والآخرة.